أبي حيان الأندلسي
440
البحر المحيط في التفسير
والعادة ، كما تقول لصاحبك : وجدت مثل تلك الفرصة ، ثم لم تنتهزها استبعادا لتركه الانتهاز ، ومنه ثم في بيت الشاعر : ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة * يرى غمرات الموت ثم يزورها استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها . انتهى . مِنَ الْمُجْرِمِينَ : عام في كل من أجرم ، فيندرج فيه بجهة الأولوية من كان أظلم ظالم ؛ والإجرام هنا هو : الكفر . وقال يزيد بن رفيع : هي في أهل القدر ، وقرأ : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ إلى قوله : بِقَدَرٍ « 1 » . وفي الحديث : « ثلاث من كن فيه فقد أجرم : من عقد لواء في غير حق ، ومن عق والديه ، ومن نصر ظالما » . وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ، وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ، أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ، وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ . لما قرر الأصول الثلاثة : الرسالة ، وبدء الخلق ، والمعاد ، عاد إلى الأصل الذي بدأ به ، وهو الرسالة التي ليست بدعا في الرسالة ، إذ قد سبق قبلك رسل . وذكر موسى عليه السلام ، لقرب زمانه ، وإلزاما لمن كان على دينه ؛ ولم يذكر عيسى ، لأن معظم شريعته مستفاد من التوراة ، ولأن أتباع موسى لا يوافقون على نبوته ، وأتباع عيسى متفقون على نبوة موسى . و الْكِتابَ : التوراة . وقرأ الحسن : في مرية ، بضم الميم ، والظاهر أن الضمير عائد على موسى ، مضافا إليه على طريق المفعول ، والفاعل محذوف ضمير الرسول ، أي من لقائك موسى ، أي في ليلة الإسراء ، أي شاهدته حقيقة ، وهو النبي الذي أوتي التوراة ، وقد وصفه الرسول فقال : « آدم طوال جعد ، كأنه من رجال شنوءة حين رآه ليلة الإسراء » ، قاله أبو العالية وقتادة وجماعة من السلف . وقال المبرد : حين امتحن الزجاج بهذه المسألة .
--> ( 1 ) سورة القمر : 54 / 47 - 49 .